الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
332
نفحات الولاية
فليقل ما يقل في إشارة إلى أنّه لا يتفق معه في العقيدة فلا يضره . فقال عليه السلام : « أما تخاف أن تنزل به نقمة فتصيبكم جميعا » « 1 » ومن هنا وجبت الهجرة على المسلمين في صدر الإسلام حين عم الفساد كل شيء - ولا سيما الفساد العقائدي - ولم يسعهم القضاء عليه ، بل كان يخشى تأثرهم به . وقوله عليه السلام : « مرتهن بذنبه » إشارة إلى أنّ الذنب يأسر الإنسان وكأنه يجعله رهينة فلا يطلقه ، وهو مستوحى من قول القرآن الكريم « كل نفس بما كسبت رهينة » « 2 » والذي نخلص إليه من هذه العبارة هو التأثير الذي يلعبه المحيط والوسط على أخلاق الناس ، فاما يغير هذا الإنسان المحيط الفاسد والملوت أو يهجره . ثم تطرق الإمام عليه السلام إلى العذاب الدنيوي الذي ينتظر أهل البصرة فقال : « كاني بمسجدكم كجؤجؤ سفينة قد بعث اللَّه عليها العذاب من فوقها ومن تحتها ، وغرق من في ضمنها » . وأمّا إخباره عليه السلام أنّ البصرة تغرق عدا المسجد الجامع بها ، « فقد رأيت من يذكر أن كتب الملاحم تدل على أنّ البصرة تهلك بالماء الأسود ينفجر من أرضها ، فتغرق ويبقى مسجدها . والصحيح أنّ المخبر به قد وقع ، فان البصرة غرقت مرتين ، مرة فيأيّام القادر باللَّه « 3 » ومرة في أيام القائم بأمر اللَّه « 4 » غرقت بأجمعها ولم يبق منها إلّامسجدها الجامع بارزاً بعضه كجؤجؤ الطائر ، حسب ما أخير به أمير المؤمنين عليه السلام ، جاءها الماء من بحر فارس « 5 » من جهة الموضع المعروف الآن بجزيرة الفرس ، ومن جهة الجبل المعروف بجبل السنام ، وخربت دورها وغرق كل ما في ضمنها ، وهلك كثير من أهلها » « 6 » أخبارهاتين الحادتثين معروفة عند أهل البصرة يتناقله خلفهم عن سلفهم . ثم نقل السيد الرضي آخر هذه الخطبة ثلاث روايات بشأن العبارات الواردة في آخرها : الرواية الأولى : « وآيم اللَّه لتغرقن بلدتكم حتى كأني انظر إلى مسجدها كجؤجؤ سفينة أو نعامة جاثمة » .
--> ( 1 ) أصول الكافي 2 / 375 ، باب مجالسة أهل المعاصي ، وقد وردت في هذا الباب عدّة روايات بهذا المضمون . ( 2 ) سورة المدثر / 38 . ( 3 ) الذي تولى الخلافة عام 381 ه ( الكامل في التأريخ 1 / 80 ) . ( 4 ) « القائم بأمر الله » ، من خلفاء الدولة العباسية ، أصبح خليفة عام 422 هجري « الكامل في التاريخ 9 / 417 » . ( 5 ) من النقاط التي تسترعي الانتباه إن ابن أبي الحديد كان من الذين عاشوا في القرن السابع الهجري وكان يُطلق على الخليج الفارسي اسم « بحر الفرس » . ( 6 ) شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد 1 / 253 .